محمد متولي الشعراوي
1780
تفسير الشعراوى
إن كان قد حدث لك كذا ، فقد حدث لخصمك مثله . إذن فنحن نسليه . والمقصود هنا أن الحق يسلّى المؤمنين : إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا ، فليكن عندكم سلّو ولتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم ؛ لأن القوم قد مسهم قرح مثله . والأسوة والتسلية ، هل تأتى بما وقع بالفعل أم بما سيقع ؟ . إنها تأتى بما وقع بالفعل ، إذن فهي تعلل تعليلا صحيحا : « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ » . وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » . ما معنى المداولة ؟ . داول أي نقل الشئ من واحد لآخر . ونحن هنا أمام موقعتين ؛ غزوة بدر وغزوة أحد . وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالإجماع ، أما غزوة أحد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر . إذن فقوله الحق : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » أي مع التسليم جدلا بأن الكفار قد انتصروا - رغم أن هذا لم يحدث - فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم . وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة ، بأن النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم أيها المؤمنون . ومعنى مخالفة منكم ، أي أنكم طرحتم المنهج . ومعنى أنكم طرحتم المنهج ، أي أنكم أصبحتم مجرد « ناس » مثلهم . ومادمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين معهم ، فإن النصر لكم يوم ، ولهم يوم . ولنلحظ أن الحق لم يقل : إن المداولة بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين . فإن ظللتم مؤمنين فلا يمكن أن ينتقل النصر إلى الكفار ، إنما النصر يكون لكم . انظر ماذا قال : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » ولم يقل بين المؤمنين والكافرين ، أي بينكم وبين قريش .